محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

649

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقال ابن زيد : هذه الأمّة أحد الأشهاد الذين قال اللّه تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ وقال قائلون : إنّهم شهداء اللّه في الأرض بعضهم بعضا ، ويدلّ على ذلك ما روى أنس بن مالك وأبو هريرة وأبيّ بن كعب بألفاظ مختلفة أنّ جنازة مرّت على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - فأثنى الناس عليه خيرا ، فقال - عليه السلام - « وَجَبَتْ » . فسئل عن ذلك ، فقرأ : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وروى عمر بن الخطّاب عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « أيّما مسلم شهد له أربعة بخير إلّا أدخله اللّه الجنّة . » قال ابن الأسود : فقلنا : أو ثلاثة ، قال : أو ثلاثة ، قلنا : أو اثنان ، قال : أو اثنان . وقال القفّال : المعنى كما فضّلناكم بهذه القبلة كذلك فضّلناكم بأن جعلناكم أمّة وسطا شهداء على من بعدكم تؤدون إليهم شريعتي ، فيلزمهم قبولها عنكم ، كما يلزم الحقّ بشهادة الشهود ، وعدّلناكم بتزكية الرسول . قال : وفيه دليل على صحّة الإجماع . وقوله : وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً معناه مزكّيا لكم ، فيشهد لكم بالصدق ، و « عليكم » بمعنى « لكم » جائز كما قال : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي للنصب ؛ وقيل : هو من باب حذف المضاف ، معناه على صدقكم ؛ وقال المفضّل : معناه على أنّكم صدقتم في شهادتكم للرسل . قال أبو سعيد الخدري : شهيدا عليكم بما فعلتم وعملتم ؛ وقال قتادة : شهيدا على أمّته أن قد بلّغ رسالات ربّه . ثم قال « 1 » : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ( 263 آ ) يعني بيت المقدّس على قول أكثر المفسّرين . قال قتادة : كانت فيها بلايا ومحن وتمحيصات للأنصار ؛ وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : يريد أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - صلّى مقامه بمّكة إلى بيت المقدّس وهاجر إلى المدينة ، فصلّى عشرين هلالا ثمّ صرفت القبلة إلى الكعبة . إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي يرجع إلى دينه الأوّل يريد المنافقين واليهود ؛ وعلى هذا التأويل خبر « جعلنا » محذوف « 2 » تقديره : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلّا لهذا المعنى ، فحذف المفعول الثاني للعلم به .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو .